دستور 1930: هكذا كُتب «القانون العضوي» تحت الانتداب

 

«إن المفوض السامي للجمهورية الفرنساوية بناء على صك الانتداب المؤرخ في 24 تموز 1922 وبناء على مرسوم 23 تشرين الثاني 1920 بتحديد صلاحيات المفوض السامي وبناء على مرسوم 3 أيلول 1926 بتعيين المفوض السامي وبناء على أعمال جمعية دولة سوريا التأسيسية التي التأمت في دمشق من 9 حزيران إلى 11 أب 1928 وعلى الآراء التي تبودلت بعد ذلك مع مكتب هذه الجمعية قرر ما يأتي…»

من قرار نشر دستور دولة سوريا، سنة 1930

 

انتهت المعادلة الدستورية التي جمعت النقائض عام 1920 مع تعيين مفوض سامٍ في البلاد، يقرر من سيكون الرابح والخاسر في لعبة الاقتصاد السياسي الجديدة في الدويلات السورية التي قسمت المنطقة بموجبها، ومُنحت فيها صلاحيات الإدارة المحلية كعطاءات سياسية للأعيان الذين قبلوا الانتداب راضين، أو مكرهين، فيما هرب مع فلول الملك فيصل كل من رفض الوضع الجديد. 

بذلك تكون التجربة الأولى لبناء ديمقراطية على مستوى المشرق والحيز العربي قد فشلت، وطُوي معها الأمل بأن يلتقي أبناء الوطن الواحد في ظل إطار دستوري يعطي الجميع حق المشاركة السياسية على قدر من المساواة. 

وبرغم احتفاء الفرنسيين الشكلي بالعملية الانتخابية، فإنهم كانوا عارفين تماماً كيفية إدارة الانتخابات النيابية على مرحلتين، وكيف تُبنى القاعدة الانتخابية لكبار الناخبين. 

بذلك تكون التجربة الأولى لبناء ديمقراطية على مستوى المشرق والحيز العربي قد فشلت، وطُوي معها الأمل بأن يلتقي أبناء الوطن الواحد في ظل إطار دستوري يعطي الجميع حق المشاركة السياسية على قدر من المساواة. 

وبرغم احتفاء الفرنسيين الشكلي بالعملية الانتخابية، فإنهم كانوا عارفين تماماً كيفية إدارة الانتخابات النيابية على مرحلتين، وكيف تُبنى القاعدة الانتخابية لكبار الناخبين. 

في البدء استطاع المستشارون السياسيون الفرنسيون في الدويلات الجديدة أن يحالفوا أنواعاً جديدة من الناخبين الثانويين من المتنفذين المحليين، من خلال تمييزهم وشبكاتهم المجتمعية بمحسوبيات خاصة، وآليات زبائنية في الوصول إلى المناصب المحلية، ما أنتج برلمانات للدويلات الناشئة أغلب أعضائها من هذا النوع من الأعيان، وأعطاهم مناصب في الشرطة المحلية التي تشرف على الانتخابات. بذلك، صارت مصلحة أولئك الأعيان إبقاء المنظومة الكونفدرالية الهشة التي أوجدها الانتداب الفرنسي لإدارة البلاد بموجب قرار إداري أصدره المندوب السامي العام 1922.

بيد أن الفرنسيين واجهوا مباشرة المعضلة الأساسية التي ستلوي ذراعهم، كما لوت أذرع كل المحاولات التقسيمية اللاحقة: لا يمتلك أي قسم من سوريا قاعدة اقتصادية حقيقية لبناء اقتصاد وطني مستقل. بالتالي لا يمكن أي قسم منفرداً أن يبني بيروقراطية حقيقية تديره ضمن اقتصاد سياسي منفصل عن اقتصاد باقي المناطق. 

اكتشف الفرنسيون سريعاً أن محاولاتهم فصل لبنان الكبير، وإيجاد دويلات سورية ضمن اتحاد هش لن يعفيهم من نفقات إدارة البلاد، فعائدات سوريا المحلية لم تكن في وضع يتيح لهم حصد العائدات الضريبية لتغطية نفقات الاحتلال، خاصة أن الفرنسيين استمروا في الحرب مع أتاتورك سنتين بعد إعلان الانتداب على سوريا، ولم تخمد الثورات المحلية التي مولها، أو دعمها أتاتورك، أو الإنكليز شمال البلاد، وجنوبها، وشرقها إلا بعد جهد. 

اضطر الفرنسيون إلى اعتماد نظام إداري موحد للدويلات الناشئة لتخفيف الحمل الإداري، وعدد الكوادر اللازم، كما اضطروا إلى تحميل الحكومات المحلية الجزء الأكبر من أعباء إدارتها، فكان على المحليات أن تدفع نفقة انتدابها. كان هذا ممكناً في المدن الكبرى، على عكس المناطق الأضعف اقتصادياً. 

في المدن الكبرى سمحت الاقتصادات المحلية بدفع كلفة التطوير، والبنى التحتية الجديدة التي أدخلها الفرنسيون. ورغم أن الكثيرين يعزون اليوم إلى تلك الفترة «إنجازات هامة نقلت كبرى المدن السورية نقلة نوعية نحو الحداثة»، فإن ذلك لم يكن نتيجة كرم الانتداب، بل نتيجة فرضه الشركات الفرنسية على البلديات التي أرغمت على دفع أجور مضاعفة للشركات الفرنسية، وعلى مشاركة المسؤولين الفرنسيين أرباحها، كما حصل مع مدير مصلحة العقارات كميل ديرافور (Camille Duraffourd) الذي كان وكيلاً لـ«شركة تخطيط المدن» المملوكة لصديقيه الأخوين دانجيه، وأنتجت أغلب المخططات التنظيمية للمدن الكبرى، بحيث تقوم مصلحة العقارات بتنظيم الخرائط العقارية اللازمة للتطوير العقاري بحسب المخططات التي طورتها شركة التخطيط العمراني الفرنسية. 

هكذا تطور وبشكل متسارع في المدن الكبرى اقتصاد سياسي جديد بديل لملاك الأراضي الزراعية، ومبني على المضاربات العقارية في تلك المدن. 

أما المدن الصغرى والأرياف فإن اقتصاداتها المحلية لم تسمح بدفع نفقات الإدارة الانتدابية فيها، ولم تكن فيها كوادر محلية قادرة على الخوض في لعبة المحسوبيات الإدارية الجديدة، وبرغم تسليم المناصب السياسية فيها للنخب المحلية فإن أغلب المناصب الإدارية اعتمد على كوادر إدارية قادمة من المدن الكبرى، ومن لبنان، ما زاد من ربط شبكات الزبائنية فيها بالمصالح العابرة للمحليات. 

لقد تعارض توحيد المنظومة البيروقراطية للدولة مع محاولة الفرنسيين تقسيم الجغرافيا السورية سياسياً، وفي نهاية المطاف أنتجت الانتخابات البرلمانية كتلاً سياسية استطاع الأعيان التقليديون تنظيمها بالحد الأدنى خاصة منها الكتلة الوطنية، مقابل مجموعة غير متجانسة من المستقلين الذين يمثلون مصالح محلية ضيقة أفرزتهم المحسوبيات السياسية الجديدة التي استخدمها المندوب السامي، ومستشاروه السياسيون، لبناء الولاء للانتداب الفرنسي. 

واجه الفرنسيون معضلة أساسية لوت ذراعهم: لا يمتلك أي قسم من سوريا قاعدة اقتصادية حقيقية لبناء اقتصاد وطني مستقل، بالتالي لا يمكن أي قسم منفرداً أن يبني بيروقراطية حقيقية تديره ضمن اقتصاد سياسي منفصل عن اقتصاد باقي المناطق

لم يستتب الأمر لسلطات الانتداب إلا بعد إخماد الثورة السورية الكبرى، وملاحقة كبار داعميها، ومنظميها، وإصدار أحكام الإعدام غيابياً ضدهم.

ورغم استتباب الأمر ظاهرياً بعد العام 1927 فإن الوضع الاقتصادي المنهار لسوريا، ولفرنسا التي كانت تعاني تقلبات سياسية مستمرة بين حكومات اليمين واليسار، أجبر الفرنسيين على فتح حوار جديد مع أعيان المدن الذين بقي جزء لا بأس به منهم على الحياد في الثورة السورية، رغم تعاطفه مع الثوار. 

كانت سلطات الانتداب بحاجة إعادة تفعيل العجلة الاقتصادية لتغطية نفقات احتلالها سوريا، وفي العمق ربما كان هذا أكبر سلاح بيد أعيان المدن للتفاوض على إطار جديد للحكم في الدويلات السورية. 

هذا التفاوض لم يكن سهلاً، فمن طرف كان الاعتراف بدور أعيان المدن ومصالحهم (كما أيديولوجيتهم القومية) منافياً لمصلحة فرنسا، ووعودها للأعيان المناطقيين بحماية دورهم المحلي – على الأقل في دولة لبنان، ودولة العلويين، ودولة جبل العرب (الدروز) – ومن طرف آخر لم تكن مصالح أعيان المدن متشابهة، ولا متوافقة، فأعيان حلب حُرموا من امتداد مصالحهم شرقاً مع الموصل، والعراق، وعندهم تخوف عميق من سيطرة أعيان دمشق على إطار الحكم المركزي، بينما كانت مصالح أعيان دمشق مرتبطة بضمان ارتباط لبنان، ومرفأ بيروت، والأقضية الأربعة التي كانت تابعة لدمشق وضُمت إلى دولة لبنان الكبير (بعلبك، والبقاع، وراشيا، وحاصبيا). 

كان على الكتلتين الكُبريتين (الدمشقية، والحلبية) الوصول إلى توافق داخلي لتقاسم المصالح، وتحديد ما سيتم التخلي عنه في مشروع سياسي جديد مقابل الاعتراف لهم بحكم الدولة السورية الناشئة مركزياً. 

نقطة التناقض الأساسية كانت تركيب اقتصاد سياسي جديد عابر للجغرافيات السورية التي قسمها الانتداب الفرنسي إلى خمس دويلات. 

توحيد الدويلات السورية كان يعني فعلاً إلغاء الحدود الضريبية بينها، وحرمان المحليات من عائدات ضرائبها المحلية، وهذا يتطلب إعطاءها حصة واضحة من الاقتصاد الوطني، ومن القرار الوطني في توزيع الثروات الوطنية. 

لم يكن ذلك ليتم لولا الانهيار الاقتصادي الذي شهدته سوريا بدءاً من العام 1927، وتفاقم مع الانهيار الاقتصادي العالمي في العام 1929، إذ لعب الاقتصاد دوراً أساسياً لتمكين النخب السياسية السورية المتمثلة بأعيان المدن الكبرى من إرسال رسالة واضحة لكل المناطق السورية، بأن خلاصها الاقتصادي يتمثل في توحيد السوق الوطنية، وإلغاء الضرائب المحلية.

كان هذا مناخ العام 1928 الذي أنتج الجمعية التأسيسية التي أوكلت إليها مهمة كتابة قانون عضوي جديد. 

لم تشأ فرنسا استخدام مصطلح دستور في تفاوضها مع الأعيان، وقبل الأعيان فكرة إنتاج قانون عضوي (أي أساسي) على أنه خطوة متقدمة نحو دستور لدولة مستقلة مستقبلاً. أي أنهم أدركوا استحالة مجابهة فرنسا عسكرياً، وفضلوا استخدام التفاوض أداة للتقدم التدريجي نحو ضمان مصالحهم الاقتصادية من جهة، وتطلعاتهم القومية من جهة أخرى. 

كان على هذا التفاوض بالضرورة أن يؤدي إلى التنازل عن بعض المصالح، وبعض التطلعات القومية، وهو ما ساوم المندوب السامي عليه. 

وكان على الأعيان أن يتخلوا عن بعض تطلعاتهم القومية لضمان مصالحهم الاقتصادية بتجميع الاقتصاد السياسي الوطني، وتمكينهم من إدارته. 

لعبت فرنسا على تفاوت مصالح الأعيان المتفرقين (أعيان دمشق، وأعيان حلب بشكل خاص) لضرب بعضها ببعض، بطريقة تضمن لفرنسا أقل قدر من التنازلات. 

انتهت التفاوضات أخيراً إلى تنازل الأعيان الحلبيين، والدمشقيين، عن امتداداتهم الحيوية نحو لبنان، والعراق، مقابل دمج دمشق، وحلب في دولة واحدة، وبقي مصير دولة العلويين، ودولة الدروز معلقاً إلى أن اعترفت فرنسا بتبعيتهما رسمياً إلى الدولة السورية في اتفاقية 1936. لكن الاعتراف الفعلي لم يتم إلا بعد بدء الحرب العالمية الثانية، وخسارة فرنسا أمام ألمانيا، واضطرارها إلى تفاوض جديد تحت ضغط الإنكليز للتخلي عن مستعمراتها مقابل دعم البريطانيين لديغول في تحرير فرنسا، ولهذا قصة أخرى.

في العام 1928 أفضت انتخابات الجمعية التأسيسية إلى برلمان فيه كتلة كبرى من أعيان المدن المنتمين إلى التيار الوطني المطالب بتوحيد الدولة السورية. 

وجود تلك الكتلة لم يكن يعني أنها تمتلك الأغلبية، فالمستقلون من أعيان ريفيين، ومحليين صغار، كانوا يحظون بالنصيب الأكبر، إلا أن الكتلة الوطنية كانت الوحيدة المنظمة، واستطاعت أن تنتج كتلة وازنة ملكت رئاسة الجمعية التأسيسية، وأهم مفاصل البرلمان، وبقي الأعضاء المستقلون الذين تستطيع فرنسا استقطابهم فرادى، منقسمين، ولم يستطيعوا مواجهة التيار الوطني. 

وكما في دستور 1920 فإن التناقضات الكبرى بين مصالح الأعيان كانت ستعطل قدرة الكتلة الوطنية على بناء إجماع عام. لذا جاء نص القانون العضوي الذي اقترحته اللجنة تحت مسمى «دستور»، واعترف به المندوب السامي الفرنسي فقط بمسمى «قانون عضوي» قصيراً، ومقتضباً، تحال كل النقاط الخلافية فيه إلى القوانين، أي إلى قدرة الأعيان على بناء أغلبيات انتخابية بعد الاستقلال. 

بصياغة أخرى، فإن النص لم يعط أي إجابات حول طبيعة الحوكمة المطلوبة، واكتفى بإعلان مبادئ ما يعرف بـ«دولة القانون»، وبتحديد دور الأعيان، وسلطتهم الدستورية التأسيسية من خلال تشريع نظام برلماني بنظام انتخابي من مرحلتين، ليضمن الناخبون الثانويون المحسوبون على كبار الأعيان استمرار إحكام أعيان المدن الكبرى على المؤسسات السياسية. 

كانت سلطات الانتداب بحاجة إعادة تفعيل العجلة الاقتصادية لتغطية نفقات احتلالها سوريا، وفي العمق ربما كان هذا أكبر سلاح بيد أعيان المدن للتفاوض على إطار جديد للحكم في الدويلات السورية

لم يتمكن الفرنسيون – رغم محاولاتهم العديدة مباشرة من خلال المندوب السامي، وبشكل غير مباشر من خلال عمل المستشارين السياسيين في المدن الكبرى – من ثني الأعيان عن مطالبهم، أو تأجيلها. وجاء نص القانون العضوي الذي اقترحته الجمعية التأسيسية مخالفاً لرؤية سلطات الانتداب، رغم أنه بشكل ضمني تنازل عن لبنان، وعن المطالبة المباشرة بالاستقلال. 

كان لدى الفرنسيين اعتراض على سبع مواد بشكل مباشر، أهمها المواد التي تتحدث عن وحدة سوريا، ومركزية السلطة، وفشلت المحاولات العديدة في الوصول إلى تفاهم. 

جاءت الضائقة الاقتصادية العالمية العام 1929 لتضعف موقف الفرنسيين. استغل الأعيان الظروف الصعبة لتحريك الشارع، وخشيت إدارات الانتداب الفرنسي نشوب ثورة جديدة، خاصة أنها لم تستطع إطفاء ثورة 1925-1926 إلا بشق الأنفس، وبتكلفة مالية، وبشرية عالية، ففضلت في نهاية المطاف المناورة. 

أصدر المندوب السامي القانون العضوي في العام 1930، مضيفاً إليه مادة وحيدة هي المادة 116، التي أفرغت النص من مضمونه! (لم يكن ذا مضمون عميق كما رأينا إلا في ما يخص إعلان نوايا الأعيان طي خلافاتهم السياسية إلى ما بعد الاستقلال). 

تشير المادة إلى أن هذا النص لا يمكن أن يتعارض مع صك الانتداب، وتترك للمندوب السامي إقرار متى، وكيف يفسر ذلك التعارض. 

لم تقبل القوى الوطنية الإضافة الجديدة، واعتبرت أن الإضافة لا تعنيها بحال من الأحوال، رغم أنها فعلياً مارست صلاحياتها البرلمانية بموجب الدستور الجديد، وخاضت الانتخابات البرلمانية التالية العام 1932. بقي مبدأ «التفاوض النبيل» هو مخرج الأعيان من تحدي القوى الثورية، والمتشددة المطالبة بالاستقلال الفوري، وغير المشروط من طرف، وتحدي الأعيان الإقليميين المقربين من فرنسا، والرافضين لفكرة الدولة المركزية. غير أن رهانهم على الفوز في انتخابات جديدة في العام 1932 ليعطيهم زخماً جديداً للتفاوض على إزالة المادة 116 من النص باء بالفشل. 

جند الفرنسيون كل ما لديهم من ضغوط مع كبار الناخبين، عن طريق تفعيل المحسوبيات المحلية، وقيادات الشرطة المشرفة على الانتخابات، وفشل الوطنيون في الحصول على عدد كبير من المقاعد يتيح لهم السيطرة على البرلمان الجديد. 

بدأ الاقتصاد تجاوز نقطة الحضيض في الأزمة الاقتصادية العالمية، ما مكن فرنسا من تحويل تمويلات جديدة مؤقتاً لتمكين حضورها في مستعمراتها. 

لموازنة دور البرلمان أعطى الفرنسيون تنازلاً شكلياً تمثل في الاعتراف برئيس للدولة بموجب القانون العضوي الجديد، فانتُخب محمد علي العابد من قبل البرلمان، بدلاً عن الدور الإداري لتاج الدين الحسيني الذي كان رئيساً للحكومة بالتعيين. 

بقي دستور 1930 فعلاً معلقاً إلى أن جاءت اتفاقية 1936 التي منحت بموجبها الدولة السورية استقلالها.

مع قدوم العام 1936 بات واضحاً أن العالم مقبل على حرب عالمية جديدة. كانت ألمانيا بقيادة أدولف هتلر تنحو إلى التصعيد، وصار من الضروري (لفرنسا) بناء تحالفات جديدة. 

أولى تلك التحالفات كانت مع تركيا لضمان خروجها من تحالفها التقليدي مع المحور الألماني، مُنحت تركيا «جائزة ترضية» لفك ارتباطها مع ألمانيا، وكان عبارة عن تنازل فرنسا عن التزاماتها بموجب صك الانتداب. أجري استفتاء سريع في لواء إسكندرون، ساهم فيه الفرنسيون بتسليم اللواء إلى تركيا. 

كان على النخب السورية أن تقبل بالأمر الواقع متنازلة مرة أخرى عن طموحاتها القومية الكبرى من أجل تمكينها من إدارة الحكم في سوريا. 
في العام 1941، وفي خضم الحرب العالمية الثانية تنازل شارل ديغول رسمياً للأعيان، عبر إعلان الاستقلال، لكنه تأخر في تنفيذه أملاً في تغير الظروف بعد الحرب.

دستور 1930 نموذج واقعي لمفهوم السلطة الدستورية التأسيسية. فهو لم ينجح في جزئيته المتعلقة بدولة القانون، وبقي فعلياً معلقاً بفعل المادة 116، لكنه صمد من ناحية دور البرلمان بوصفه سلطة دستورية.

عندما استقلت الدولة السورية، ورحل آخر جندي فرنسي عن أرضها بضغط من الإنكليز والأميركيين، كان البرلمان هو المؤسسة الوحيدة الشرعية، وليس الدستور. أي أن الشيء الوحيد الذي لم يسقط من دستور 1930 رغم كل التحديات هو تعريفه للسلطة الدستورية. 

بدأت المفاوضات بعد الاستقلال مباشرة لكتابة دستور جديد، نص يفصل جزئية بنود دولة القانون في الدستور، ولكنه لا يتحدى موقع السلطة الدستورية المتمركزة في برلمان يمثل مصالح النخب والأعيان القادمين من المدن الكبرى. 

الكاتب: أمل بدر

المصدر: صوت سوري

منشورات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى