دستور سوريا 1920: الأعيان يشهرون الدولة ويختارون الملك

مع اقتراب نهاية الحرب العالمية الأولى صار واضحاً أن الدولة العثمانية توشك على الانهيار، وبدأت الشعوب التي تشكلت منها تلك الإمبراطورية غير المتجانسة تتلمس مستقبلها.

في الولايات ذات الأغلبية الناطقة بالعربية نشأت حيرة كبيرة حول الكيان، أو الكيانات التي ستملأ الثغرة التي سيخلقها انهيار المنظومة السياسية والأيديولوجية والاقتصادية التي حكمت البلاد أكثر من أربع قرون.

تصارعت في نفوس وضمائر شعوب المنطقة توجهات مختلفة ومتناقضة، لكنها متفقة على أن فوضى الحكم في السنوات الأخيرة يجب أن تفضي إلى مستقبل أفضل، وبدأت أيديولوجيات النهضة والعروبة تأخذ دوراً أكبر في المخيال الجمعي، ولو أنه كان من الصعوبة بمكان أن يتحول الناس دفعة واحدة إلى مشروع وطني جامع.

راحت طبقة الأعيان تبحث لذاتها عن أدوار جديدة لتثبت مصالحها، وتضمن دورها في عالم جديد من خلال فك الارتباط بمؤسسات الدولة المتهالكة، وتأطير تلك المصالح بطريقة تضمن دوامها في ظل ما قد يأتي.

وأخذت التنظيمات السرية التي شكلها المتعلمون من أبناء أعيان المدن الكبرى شكلاً حقيقياً وإن كان جنيناً للعمل الحزبي المنظم.

الافتراق عن الكيان العثماني لم يأت نتيجة مسار أيديولوجي، أو مصلحي مستقيم وواضح، بل مر بمخاضات عديدة اضطر بموجبها أعيان المدن – وهم غالباً من طبقتي ملاك الأراضي والتجار، أو رجال الدين الذين قد يتقاطعون مع الفئتين – إلى سبر احتمالات مختلفة لما سيحتاجه الكيان البديل للسلطنة العثمانية.

ولم تكن أقل المشكلات التي سيواجهونها استعداد الشعوب في المنطقة للتخلي عن منطق العيش الذي اعتادوه قروناً.لم يكن الخروج عن السلطنة العثمانية خروجاً عن سلطة خارجية، بل خروجاً عن الخلافة الإسلامية.

لم يكن ذلك جزءاً من المخيال الشعبي المقبول، ولم يكن متاحاً الانتقال مباشرة من عباءة السلطنة العثمانية إلى سلطة ذات طابع جمهوري عَلماني.  

من بين البدائل المتاحة كان استقدام الشريف حسين ليصبح ملكاً عربياً من آل البيت النبوي الشريف، فتزاوجت بذلك رؤيتان مختلفتان لمصير الولايات التي بدأت تُعرف حالها بالعربية. 

الرؤية الأولى؛ رؤية الشريف حسين نفسه ملكاً على الحيز الجديد الذي لم يكن بعد واضح المعالم والتكوين، وقد بدأ يروج لذلك عبر سفر ابنه الأمير فيصل إلى الشام، وعبر إصدار منشورات ودوريات مثل جريدة القبلة المكية.

أما الرؤية الثانية؛ فهي رؤية طبقة الأعيان المحليين التي تحتاج رموزاً جديدة تسمح لها بالاستقلال، ولكنها تخشى من سلطة ملكية تعيد تكبيلها وتقييدها.

وقد بدأت أدبيات هذه الرؤية تروج عبر منشورات الجمعيات السرية العربية. لم تكن الحدود التي نعرفها اليوم، ولا الأيديولوجيات واضحة بعد، وجاء الفراغ الذي خلفه الانهزام الكيفي للقيادات التركية في الدولة العثمانية بحالة من الفوضى والفراغ، تلقفها الفرنسيون والبريطانيون المنتصرون في الحرب ضد دول المحور في إطار تموضعاتهم بدءاً من العام 1916 لخلق توازن استراتيجي بين الحلفاء، كيلا يصطدموا مباشرة بعد الحرب. 

اتفاقية سايكس – بيكو الشهيرة لم تكن اتفاقية تقسيم حدودي لدويلات محددة، وإنما كانت اتفاقاً إطارياً بالخطوط العريضة لتقسيم وموازنة النفوذ والمصالح لأي تركيبة قد توجد بعد انهيار السلطنة العثمانية. 

الخط المشهور في الرمال الممتد من فلسطين بشكل مائل إلى الموصل لم يكن خطاً حدودياً كما يتصور أبناء المنطقة اليوم، والحدود النهائية التي ظهرت بموجبها الدول القطرية لم تكن موجودة في العام 1918 عندما وضعت الحرب أوزارها. كان هناك الكثير من التفاوض والنزاع قبل الوصول إلى حدود نهائية في العام 1923، وتكريسها عملياً وإدارياً العام 1927.

ربما كان التوافق حول فيصل بن الحسين ليصبح ملكاً محلياً هو الحل الوسط، فتنصيب فيصل ملكاً للشام وخاضعاً لمصلحة أعيانها يعطي الأعيان ضمانات استقلالهم عن مركز بعيد، ويكسبهم القوة الرمزية للتخلص من هالة الخلافة

سيبقى العام 1918 عاماً يحتاج الكثير من التدقيق والتمحيص من قبل المؤرخين. فالحرب التي انتهت رسمياً في مؤتمر فرساي لم تنتهِ فعلياً على الأرض. وانتصار الحلفاء على بقايا الدولة العثمانية لم يكن نهائياً، واستمرت الحرب بأشكال مختلفة ضمن مسميات لم تكتمل إلا عندما كُتب تاريخ المنطقة بعدها بسنوات بطريقة تبرر، وتشرعن مخرجات التاريخ، لا بتوثيق دقيق لمساره الغامض والملتوي من حالة الفوضى إلى حالة قسرية من الاستقرار تحت الانتداب. 

الثورات المحلية كثورتي إبراهيم هنانو، وصالح العلي، وغيرهما، يجب أن تدرس في سياق محاولة الفرنسيين إحكام قبضتهم على مستعمراتهم الجديدة بالتحالف مع بعض عناصر وكيانات المنطقة، وتدخل البريطانيين بشكل غير مباشر لزعزعة السيطرة الفرنسية في مستعمرتها الجديدة، وكذلك مساعي مصطفى كمال أتاتورك إلى إعادة الاعتبار للدولة التركية، من خلال استقطاب وتمويل المتنفذين المحليين ضد المصالح الفرنسية، ودخول الروس البلاشفة على الخط لدعم تركيا ضد فرنسا.

وفي الطرف المقابل محاولة الولايات المتحدة – التي بدأت تلعب دور قطب جديد في العالم – الفصل بين المصالح الفرنسية والبريطانية، لبناء دور عالمي جديد لسياستها الخارجية. 

في هذه السياقات التقت مصالح الأعيان المحليين مع مصلحة بيت الشريف حسين الجالس في مكة حالماً بالوعود التي منحه إياها الإنكليز، وجاهلاً الرفض الفرنسي للمشروع الإنكليزي. كان الأعيان بحاجة إلى ملك رمزي يستبدلون به دور الخليفة الذي بات شكلياً بعد الثورة الدستورية العام 1908، وكان الملك بحاجة قبول مجتمعي في أراض وولايات عثمانية سابقة ليس له فيها باع. 

ربما كان التوافق حول فيصل بن الحسين ليصبح ملكاً محلياً هو الحل الوسط، فتنصيب فيصل ملكاً للشام وخاضعاً لمصلحة أعيانها يعطي الأعيان ضمانات استقلالهم عن مركز بعيد، ويكسبهم القوة الرمزية للتخلص من هالة الخلافة. بالطبع لم تتبلور القصة وفق تفاوض واضح بين قوى مسبقة، بل تم في حالة فوضى متسارعة، أكبر من قدرة أي جهة على امتلاك زمام المبادرة. 

حين تداعى أعيان المدن من الولايات المختلفة لم تكن سوريا بعد كياناً حقيقياً، وحتى اسم ذلك الحيز كان موضوع اختلاف. فمسمى «الشام» مسمى فضفاض، وليس اسماً لهياكل تنظيمية أو إدارية واضحة، والمدن الرئيسية في ذلك الحيز كانت متقاسمة بين إيالات، وسناجق، بعضها يملك استقلالية ذاتية، وبعضها يتغير دورياً من ولاية إلى أخرى ضمن مسميات متبدلة. والاسم البديل: سوريا، أو سورية، لم يبدأ ظهوره على الخرائط العثمانية إلا مع مطلع القرن العشرين، نتيجة ترجمة الخرائط الفرنسية، ونراه بخط عريض يصف الجزء الغربي من الولايات العثمانية المشرقية، متقاطعاً مع حدودها من دون أن تكون له جغرافيا محددة.

 لم تصمد السلطة التأسيسية السورية الأولى، وسقطت بفعل تدخل خارجي، لكنها أنتجت قواعد دستورية أساسية، وخلقت المشروعية للأعيان السوريين ومشروعهم الذي استمروا في الدفاع عنه طوال فترة الانتداب

أعيان المدن كانوا الركيزة السياسية المحلية الوحيدة في منظومة سياسية منهارة، ومنظومة أيديولوجية لم تتبلور بعد. تداعى أعيان المدن العام 1919 إلى تنظيم أنفسهم لتقديم عريضة واضحة لبعثة كينغ كراين التي أرسلها الرئيس الأميركي وودرو ويلسون لتقصي آراء أهالي المنطقة حول مستقبلهم، في محاولة لفصل النزاع المحتمل بين بريطانيا وفرنسا، حليفتي الحرب العالمية سابقاً، والمتنافستين على السيطرة على الغنائم بعد الحرب. 

بعض المدن اعتمدت مندوبيها المنتخبين وفق القانون العثماني السابق، وبعضها أقامت انتخابات سريعة. وفي الحالتين فإن القانون الانتخابي العثماني لم يكن يسمح إلا لكبار الملاك بالوصول إلى أي مجالس تمثيلية، بدءاً من اشتراطه أن يكون المرشحون من كبار دافعي ضرائب الويركو العقارية، إلى آليات الترشيح من مراكز الولايات، والتصويت من الأرياف من قبل المتنفذين في البلدات الصغيرة التابعة للمدن الكبرى. في كل الأحوال فإن الإنتخابات كانت تتم على مرحلتين، بحيث يشكل الناخبون الثانويون من المرحلة الأولى القاعدة السياسية لانتخاب النواب لمجلس المبعوثان. 


في العجالة التي جرت فيها انتخابات المرشحين للمشاركة في المؤتمر الذي سيمثل مصالح المنطقة أمام بعثة كينغ كراين، لم تُجرَ انتخابات جديدة للناخبين الثانويين، بل استدعي الناخبون الثانويون القدماء لينتخبوا النواب الجدد. أي أنها كانت انتخابات لا يمكن أن ينتج عنها إلا مصالح طبقة الأعيان القديمة. وفي حالات أخرى كثيرة اجتمع الأعيان في دار أحدهم، واتخذوا قراراً داخلياً بتكليف أحدهم بتمثيلهم، وزودوه بأوراق اعتماد. 

بعض المدن أرسلت وفوداً، وبعضها أرسلت أفراداً. لم تكن هناك نسب تمثيل واضحة. واستمر التمثيل العددي المعتمد من أيام الانتخابات العثمانية معياراً غير دقيق لعدد المندوبين. 

كانت العملية برمتها اعتباطية، ولكنها كانت أفضل آلية تمثيل ممكنة في ظروف الفوضى آنذاك. والتقت المشروعية التمثيلية الضعيفة للأعيان والنخب المتعلمة في الغرب، مع المشروعية الدينية للأمير فيصل، لتشكل الحد الأدنى اللازم من المشروعية السياسية.

قدم المندوبون أوراق اعتمادهم إلى المؤتمر، وكانت هناك خلافات حول مصداقية البعض، والتحق البعض لاحقاً، وشارك البعض بدون تكليف رسمي لأن مدنهم كانت خاضعة للسيطرة الفرنسية الفعلية، ولم تستطع أن تقوم حتى بالشكليات المحدودة اللازمة لشرعنة مندوبيها. 

تملك المجلس في نهاية المطاف ما يكفي من السلطة التمثيلية لإنتاج سلطة أمر واقع. ورغم أن تلك السلطة بقيت موضوع تحد واضح من قبل الفرنسيين الذين رفضوها مسبقاً لأنها تقف ضد مشروعهم الاستعماري، ومن قبل بعض القوى في الشارع التي لم تقبل فرض الأعيان أنفسهم ممثلين على المناطق والمدن، فإن شرعنة المؤتمر بتحالف تلك السلطة مع الأمير فيصل، وركوبها لحظة الفراغ والخوف من المجهول، ثبتت أمام التحديات.

لم يصمد الملك فيصل صاحباً للسيادة لأن دوره السياسي كان مرتهناً بتوازنات لا حوامل محلية لها. بينما صمدت سلطة الأعيان التأسيسية رغم انهيار الدستور، ورغم الانتداب، لأنها كانت الحامل المحلي الوحيد في غياب حوامل أخرى.

قدم الأعيان برنامجهم السياسي لكينغ وكراين، في ما عرف في تقريرهما الشهير بـ«برنامج دمشق»، وهو عبارة عن مبادئ سياسية عريضة عن إرادة العيش المشترك لسكان المنطقة، ورغبتهم بالاستقلال، ورفض الانتداب وخاصة الفرنسي، فضلاً عن استظهار بعض مبادئ المواطنة غير الطائفية من الدستور العثماني (قد تكون استحضرت لسحب الغطاء أمام الحجة الفرنسية الأساسية للوجود في المشرق: حماية الأقليات الدينية). 

لم يخرج تقرير البعثة الأميركية إلى الوجود إلا في العام 1922 بعد أن تكرس الانتداب، وبعد اتفاقية سيفر في العام 1920. 

في تلك الأثناء كانت المفاوضات جارية بين فيصل، وبين الإنكليز والفرنسيين، لضمان حد من الاستقلال لم يرق لأعيان المدن السورية، ووصل الشقاق بينهم حداً كبيراً، لكن فيصل لم يكن يملك إلا أن يفاوض على الطرفين، فرفضه المؤتمر وممثليه كان سيقوض مشروعيته المحلية، وخضوعه للمؤتمر كان يفرض عليه مطالب لم يكن الفرنسيون والإنكليز ليقبلوا بها. 

الفرنسيون بالذات رأوا في فيصل حاكماً محلياً للمنطقة الداخلية من سوريا، والأعيان كانوا يطالبون بسيادة كاملة على كل الأراضي الشامية/ السورية، الداخلية منها والخارجية. 

في هذا المناخ القلق تشكلت السلطة التأسيسية للدولة السورية في بدايات العام 1920 مع إعلان المؤتمر العام في شهر آذار إشهار الدولة، وتنصيب فيصل ملكاً عليها. 

تلك كانت اللحظة الدستورية التي تطلبت إنتاج دستور ليلبي أغراضاً عديدة ومتناقضة في آن واحد، أولها كان الدفاع عن البلاد ضد مشروع استعماري صار واضحاً. تطلب ذلك أن يطوي الأعيان كل خلافاتهم الداخلية ليظهروا أمام العالم قبل اجتماع سيفر على أنهم قادرون على إدارة شؤونهم وفق أسس عصرية، وأنهم غير محتاجين لدولة منتدبة تعلمهم أسس المدنية والتعايش. 

طويت الخلافات بين المحافظين، والليبراليين، وبين تجار دمشق وحلب، وبين المسلمين والمسيحيين واليهود، وبين أهل الساحل وأهل الداخل، وبين مختلف الطوائف الإسلامية. أما الأهداف الأخرى لكتابة الدستور فكانت تقييد سلطة الملك فيصل، كيلا يفاوض الفرنسيين على صلاحيات أكبر لنفسه مقابل تنازله عن جزء من سيادة البلاد، وكذلك عدم طغيان أعيان حلب ودمشق على باقي المناطق، وموازنة القوة بين المناطق ومصالحها من خلال تفاصيل موسعة لقضية اللامركزية ضمن إطار سياسي موثق في دستور يمكن وصفه بأنه دستور فيدرالي، مع فارق وحيد هو أن صوغ الدستور من قبل سلطة دستورية واحدة متمثلة بالمؤتمر العام يجعلها سلطة تأسيسية مركزية، على عكس النماذج الفيدرالية الشائعة التي تنطلق من  سلطات تأسيسية محلية تتفاوض على اتحاد فيدرالي.  كان على المؤتمر أن يدافع عن مشروعيته أمام الشارع، وأمام الفرنسيين، في تحد قاس وسباق مع الزمن لإنجاز الدستور قبل اجتماع سيفر. 

أُنجز نص الدستور، وتمت مراجعته الأولية، ثم دخل المندوبون في مناقشته التفصيلية (مناقشة كل مادة على حدة) عندما قرر الجنرال غورو ألا ينتظر صدوره، وأعطى تهديداته الشهيرة التي تضمنت إلغاء المؤتمر ونتائجه. كان من أوائل قرارت الجنرال غورو إثر دخوله دمشق إغلاق المقر الذي جمع المؤتمر العام، ومصادرة وثائقه. لم تصمد السلطة التأسيسية الأولى إذاً، وسقطت بفعل تدخل خارجي، لكنها أنتجت قواعد دستورية أساسية، وخلقت المشروعية للأعيان السوريين ومشروعهم الذي استمروا في الدفاع عنه طوال فترة الانتداب. 

لم يصمد الملك فيصل صاحباً للسيادة لأن دوره السياسي كان مرتهناً بتوازنات لا حوامل محلية لها. بينما صمدت سلطة الأعيان التأسيسية رغم انهيار الدستور، ورغم الانتداب، لأنها كانت الحامل المحلي الوحيد في غياب حوامل أخرى لم تظهر إلا بعد الاستقلال.

الكاتب: أمل بدر

المصدر: صوت سوري

منشورات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى